عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
211
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
كثيرة ، وكرامات شهيرة ، منها أنه مرّ على ماجل القيروان وقد جفّ منه الماء والناس في عطش شديد فشقّ عليه ما الناس فيه ، فلما كان بعد ذلك أتى الوادي وامتلأ الماجل ، فخرج إليه الناس وخرج الشيخ ، فرآه مملوءا ماء والبرك تعوم فيه ، فتفكر في ذلك مليا ثم غاب عن حسّه فلم يشعر ، وإذا الشيخ جالس في وسط الماء والناس ينظرون إليه ، فتوهموا أنّه سقط فبادروا إليه وأخرجوه فوجدوا ثيابه وقدميه لم يبلها ماء البتة ، وهذه الحكاية يرويها جمهور أهل القيروان . وأخبرني أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن المؤدب المعروف بابن شيخ الرباط وغيره من الثقات ؛ أنّ الشيخ أبا عبد اللّه كان عندهم في الدار يخلو في غرفة وقد أغلقوا عليه الباب بقفل حصين ، فصنعوا ليلة سماعا في أسفل الدار ، وحضر فيه طائفة من الصالحين فلم يشعروا إلا والشيخ أبو عبد اللّه بينهم ، فصعدوا إلى الغرفة فوجدوها مقفلة كما كانت ، وأخبرني الشيخ أبو الحسن بن علي بن يخلف اللواتي ، أن الشيخ أبا عبد اللّه استدعى أبا القاسم المازري إلى مكان فقيل إنه رمد ! فقال : لا بد من إتيانه فأتوا به يقودونه وعيناه كأنهما علقتان ، فبصق الشيخ في عينيه فبرئ من ساعته وعاد إليه نور عينيه . وأخبرني والدي رحمه اللّه أن أمي اشتهت عليه وهي حامل بي القثاء في زمن الشتاء ، فمشى إلى كدية عند باب الجلادين عادة الناس الجلوس عندها ، فوجد فيها أصل قثاء فيه أربعة جروات من القثاء قد امتدوا طولا . وأخبرني أبو زيد عبد الرحمن بن سلامة البادسي قال : كنا عند الشيخ أبي عبد اللّه فاستأذنه قوال في أن يقول شيئا ، قال : فورد على الشيخ وارد حال فقام قائما على قدميه ، وكان قد أقعد قبل ذلك بمدة من الزمان وأخبرني أبو زيد أيضا قال : قال لي الشيخ أبو عبد اللّه زرت يوما : قبر الشيخ أبي الحسن القابسي فلما وضعت يدي على تربته ، تعلق في يدي منها رائحة مسك أذفر بقي في يدي أياما كثيرة حتى كنت أخفي يدي خوفا من الناس أن يظنوا أني طيّبت يدي ، ومناقبه كثيرة وقد ألّفت فيها جزءا . توفي رحمه اللّه يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان المكرم سنة ثمان عشرة وستمائة ، وحضر جنازته عالم من الناس قلّ ما اجتمعوا على جنازة غيره في وقته ، وكسروا نعشه من كثرة ازدحامهم عليه ، وأخذوا تراب قبره للاستشهاد به ، ودفن بمقبرة باب تونس وقبره معلوم رحمه اللّه .